سيد محمد طنطاوي
367
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( نَفَعَتِ الذِّكْرى ) * مع أنه صلى اللَّه عليه وسلم مطلوب منه أن يذكر الناس جميعا ، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم - للتنبيه على أشرف الحالين ، وهو وجود النفع الذي من أجله شرعت الذكرى ، كقوله - تعالى - : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ . وللإشعار بأن المراد من الشرط : البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول الإنسان لغيره بعد أن بين له الحق ، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل ، فيكون مراده الحض على القبول . . « 1 » . ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة ، تحريض النبي صلى اللَّه عليه وسلم على المداومة على دعوة الناس إلى قبول الحق الذي جاء به ، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا ، فسينفع بعضهم ، فقد اقتضت سنة اللَّه - تعالى - أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى الحق ، ويستجيب له . ويدل على هذا المعنى قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ) * أي : سينتفع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - من يخشى اللَّه - تعالى - ويخاف عذابه ، ويرجو ثوابه . يَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى أي : ويتجنب الذكرى ، ويبتعد عن الموعظة ، ويتجافى عن النصيحة ، الإنسان الشديد الشقاوة والتعاسة ، الذي أبى إلا الإصرار على كفره وعناده ، وخلا من خشية اللَّه - تعالى - . والمراد بالأشقى : الجنس ، أي : يبتعد عن الانتفاع بالتذكير جميع الأشقياء وهم الكافرون . وقيل : المراد به الكافر المتوغل في كفره كأبى جهل والوليد بن المغيرة وأشباههما . وقوله : * ( الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ) * صفة للأشقى . أي : سيبتعد عن الانتفاع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - الكافر المصر على كفره ، الذي من صفاته أنه سيصلى وسيلقى في أشد طبقات النار سعيرا وحريقا ، وهي الطبقة السفلى منها . فوصف النار بالكبرى ، من قبيل التهويل والإنذار للمصرين على كفرهم * ( ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى ) * أي : ثم إن هذا الشقي بعد أن يلقى به في النار الكبرى ، * ( لا يَمُوتُ فِيها ) * فيستريح من العذاب * ( ولا يَحْيى ) * حياة طيبة فيها شيء من الراحة ، بل يبقى هكذا يَأْتِيه الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وما هُوَ بِمَيِّتٍ . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ، كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ « 2 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 382 . ( 2 ) سورة فاطر الآية 36 .